في التَّناقض ماو 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في التَّناقض ماو 1

مُساهمة من طرف karim rge في الأحد 15 يونيو - 8:58


كلمة الناشر
جرتْ
هذه التَّرجمة لكُراس ""في التَّناقض"" وفقاً للنَّصِّ الصِّينيِّ من
""المُؤلَّفاتِ المُختارة لماوتسي تونغ""، المجلَّد الأوَّل (دار الشَّعب
للنَّشر ببكين في يوليو/ تموز 1952).

كتب الرفيق ماوتسي تونغ هذا
البحث الفلسفيّ في أغسطس/ آب 1937 بعد بحثه السَّابق ""في الدِّراسة
العمليَّة""، وللغرض نفسه: تصحيح في التَّفكير المتَّسم بالجُمود
العقائديّ الذي كان رائجاً في الحزب بشكل خطير، ولقد ألقى هذا البحث
كمُحاضرة في الكليَّة الحربيّة والسياسيّة المناهضة لليابان في يانآن. وقد
أدخل المؤلف عليه بعض التَّعديلات والتَّنقيحات عند ضمِّه إلى
""المؤلَّفات المُختارة لماوتسي تونغ"".
لجنةُ نشر المؤلَّفات المُختارة لماوتسي تونغ
التَّابعة للّجنة المركزيَّة للحزب الشيوعيّ الصِّينيّ





نظرتان إلى العالم
عموميَّة التَّناقض
خاصّيَّة التَّناقض
التَّناقض الرئيسيّ والطَّرف الرئيسيّ للتَّناقض
الوحدة والصِّراع بين طرفيّ التَّناقض
مركز التَّعادي في التَّناقض
خاتمة

إن
قانون التَّناقض في الأشياء، أي قانون وحدة الضدَّين هو القانون الأساسيّ
الأوَّل في الدِّيالكتيك المادِّيّ. ويقول لينين: »إن الدِّيالكتيك،
بمعناه الأصلي، هو دراسة التَّناقض في صميم جوهر الأشياء«(1). وكثيراً ما
أسمى لينين هذا القانون جوهر الدِّيالكتيك، كما أسماه لبّ
الدِّيالكتيك(2). وهكذا لا يمكننا، أثناء دراسة هذا القانون، إلا أن
نتطرَّق إلى جوانب متعدِّدة، وإلى عدد كبير من قضايا الفلسفة. وإذا فهمنا
جميع هذه القضايا حقَّ الفهم، استطعنا أن نفهم الدِّيالكتيك المادِّيّ من
حيث الأساس. وهذه القضايا هي: النَّظرتان إلى العالم؛ وعموميَّة
التَّناقض؛ وخاصّيَّة التَّناقض؛ والتَّناقض الرئيسيّ والطَّرف الرئيسيّ
للتناقض؛ والوحدة والصِّراع بين طرفي التَّناقض؛ ومركز التَّعادي في
التَّناقض.
لقد أثار النقد الذي وجهته الأوساط الفلسفيَّة في الاتحاد
السُّوفياتيّ في السَنوات الأخيرة إلى مثاليَّة مدرسة ديبورين(3) اهتماماً
عظيماً لدينا. إن مثالية ديبورين قد تركت أثراً سيئاً جداً في الحزب
الشيوعيّ الصِّينيّ، ولا يُمكن أن نقول إن أسلوب الجمود العقائديّ في
التَّفكير داخل حزبنا لا يمتُّ بِصِلَة إلى أسلوب هذه المدرسة. وهكذا فإن
الهدف الرئيسيّ لدراساتنا الفلسفيَّة في الوقت الحاضر يجب أن يكون استئصال
التَّفكير المتَّسم بالجُمود العقائديّ.



1- نظرتان إلى العالم

خلال
تاريخ المعرفة البشريَّة كله كانت هُناك وجهتا نظر حول قوانين تطوُّر
العالم، هما وجهة النَّظر الميتافيزيقيّة ووجهة النَّظر الدِّيالكتيكيّة
اللَّتان تُشكلان نظرتين متضادتين إلى العالم. ويقول لينين: »إن وجهتي
النَّظر الأساسيّتين (أو الممكنتين؟ أو المُشاهدتين تاريخياً؟) عن
التطوُّر (الارتقاء) هما: التطوُّر كنقصان وازدياد، كتكرار؛ والتطوُّر
كوحدة الضدَّين (انقسام الواحد إلى ضدَّين متعارضين تربط بينهما علاقة
متبادلة)«(4). إن ما يعنيه لينين هنا هو هاتان النَّظرتان المُختلفتان إلى
العالم.
إن أُسلوب التَّفكير الميتافيزيقيّ، طوال مرحلة مديدة جداً
من التَّاريخ في الصِّين وفي أوروبا على حد سواء، والذي هو جزء من
النَّظرة المثالية إلى العالم، كان يحتل مركز السَّيطرة في الفكر البشريّ.
وفي أوروبا كانت مادية البرجوازيّة في أيامها الأولى، ميتافيزيقيَّة هي
الأُخرى. وقد نشأت النَّظرة الدِّيالكتيكيّة المادِّيّة الماركسيَّة إلى
العالم نتيجة لدخول الاقتصاد الاجتماعيّ في العديد من أقطار أوروبا مرحلة
الرَّأسماليّة العالية التطوُّر، وبلوغ القوى المنتجة والصِّراع الطَّبقيّ
والعُلوم مُستوى لم يسبق له مثيل في التَّاريخ، ولأن البروليتاريا
الصِّناعية أصبحتْ القُوة المحركة العُظمى في التطوُّر التَّاريخيّ.
وعندئذ ظهر عند البرجوازيّة مذهب التطوُّر المُبتذل، إلى جانب مثاليَّة
رجعيَّة صريحة عارية الوجه تماماً، لمقاومة الدِّيالكتيك المادِّيّ.
ونحن
نقصد بالنَّظرة الميتافيزيقيّة أو نظرة التطوُّر المبتذل إلى العالم،
النَّظر إلى العالم بصورة منعزلة جامدة وحيدة الجانب. إن دعاة هذه
النَّظرة يعتبرون أن جميع الأشياء في العالم، جميع أشكالها وفصائلها
منعزلة بعضها عن بعض إلى الأبد، وثابتة لا تتبدل بصورة أزلية، وأنه إذا
كانت هناك تبدُّلات فإنها لا تعني سوى ازدياد أو نقصان في الكميّة وتغيّر
في المكان؛ وأن علَّة هذا الازدياد أو النقصان وذلك التغير لا تقوم في
باطن الأشياء نفسها، بل تقوم خارجها، أي بفعل قوى خارجيّة. ويرى
الميتافيزيقيّون أن الأشياء المُختلفة في العالم وخصائصها، قد بقيتْ على
حالها منذ اللَّحظة التي وُجِدَتْ فيها. وليس كل تبدل لاحق سوى ازدياد أو
نقصان كميّ. ويرون أن الشَّيء لا يمكن إلا أن يتكاثر ويتولد عنه نفس
الشَّيء مراراً وتكراراً إلى الأبد، ولا يستطيع مطلقاً أن يتغير إلى شيء
آخر مختلف. وفي رأي الميتافيزيقيّين أن الاستغلال الرَّأسماليّ والمنافسة
الرَّأسماليّة والأيديولوجيّة الفرديّة في المجتمع الرَّأسماليّ، وهلم
جرا، يمكن أن نجدها في المجتمع العبوديّ في الزمن القديم، بل في المجتمع
البدائي، ولن تبرح موجودة إلى الأبد دون أدنى تبديل. وحين يتحدث
الميتافيزيقيّون عن أسباب التطوُّر الاجتماعيّ، فإنهم يفسرونها بالعوامل
الخارجة عن المجتمع، كالبيئة الجغرافية والمناخ. ويفتشون بسذاجة خارج
الأشياء نفسها عن أسباب تطوُّرها، وينكرون النظريَّة التي يقدمها
الدِّيالكتيك المادِّيّ والتي تقول إن التَّناقضات الكامنة في باطن
الأشياء هي التي تسبب تطوُّرها. فإنهم يعجزون بنتيجة ذلك، عن تفسير تعدد
نوعيات الأشياء، كما أنهم يعجزون عن تفسير ظاهرة تحول نوعية معينة إلى
أُخرى. ولقد وجد هذا النوع من التَّفكير في أوروبا بصورة المادِّيّة
الميكانيكيَّة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبصورة مذهب التطوُّر
المبتذل في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. أما الصِّين، فقد
ظهر فيها التَّفكير الميتافيزيقيّ القائل إن »السماء لا تتبدل، وداو كذلك
لا يتبدل«(5)، وقد أيدت الطبقة الحاكمة الإقطاعيّة المتعفنة هذا التَّفكير
زمناً طويلاً. أما المادِّيّة الدِّيالكتيكيّة ومذهب التطوُّر المبتذل
المستوردان من أوربا في السنوات المائة الأخيرة فقد أيدتهما البورجوازية.
والنَّظرة
الدِّيالكتيكيّة المادِّيّة إلى العالم، على النقيض من النَّظرة
الميتافيزيقيّة إليه، تدعو إلى دراسة تطوُّر الشَّيء من باطنه ومن حيث
صلته بالأشياء الأُخرى، وذلك بمعنى أنه ينبغي النَّظر إلى تطوُّر الشَّيء
على أنه حركته الباطنية الذاتية والحتمية، وأن كل شيء يرتبط في حركته
بالأشياء الأُخرى التي تحيط به ويتبادل معها التأثير. فالعلة الأساسيّة في
تطوُّر الشَّيء إنما تكمن في باطنه لا خارجه، في تناقضه الباطني. وهذا
التَّناقض الباطني موجود في كل الأشياء وهو الذي يبعث فيها الحركة
والتطوُّر. إن هذا التَّناقض الكامن في باطن الأشياء هو العلة الأساسيّة
في تطوُّرها، أما الصلة القائمة والتأثير المتبادل بين شيء وآخر فهي علة
ثانوية. وهكذا فإن الدِّيالكتيك المادِّيّ قد دحض بصورة قاطعة نظريَّة
الأسباب الخارجيّة أو نظريَّة القوة الدافعة، التي ينادي بها أنصار
المادِّيّة الميكانيكيَّة الميتافيزيقيّة ومذهب التطوُّر المبتذل
الميتافيزيقيّ. ومن الواضح أن الأسباب الخارجيّة الصرفة لا يمكن أن تؤدي
إلا إلى الحركة الميكانيكيَّة للأشياء، أي إلى تغيرات في الحجم والكميّة،
لكنها لا تستطيع أن تفسر لماذا تختلف الأشياء نوعياً ذلك الاختلاف الذي لا
يمكن حصره، ولماذا يتحول الشَّيء من نوعية إلى أُخرى. والواقع أنه حتى
الحركة الميكانيكيَّة المسببة عن القوى الخارجيّة تتحقق هي الأُخرى بواسطة
التَّناقض القائم باطن الأشياء. وكذلك فإن النمو البسيط للنباتات
والحيوانات وتطوُّرها الكميّ مسببان بصورة رئيسيّة عن تناقضاتها الباطنية.
وينطبق نفس الشَّيء على المجتمع، فإن تطوُّره مشروط، بصورة رئيسيّة،
بالأسباب الباطنية لا الخارجيّة. فإن ثمة بلداناً عديدة تتسم بالعوامل
الجغرافية والمناخية المتماثلة تقريباً، ومع ذلك فهي تختلف في تطوُّرها
اختلافاً بيناً، وتتفاوت درجات تطوُّرها تفاوتاً عظيماً. وإن تبدلات
اجتماعية هائلة قد تجري في ذات البلد الواحد، بدون أن يطرأ أي تبدل على
جغرافية هذا البلد ومناخه. لقد تحولت روسيا الإمبرياليّة إلى الاتحاد
السُّوفياتيّ الاشتراكي، وتحولت اليابان الإقطاعيّة المغلقة إلى اليابان
الإمبرياليّة، بينما لم يطرأ أي تبدل على جغرافية هذين البلدين ومناخهما.
ولقد مرت الصِّين الواقعة منذ زمن طويل تحت سيطرة النِّظام الإقطاعيّ، وهي
الآن تتبدل في اتجاه صين جديدة حرة منعتقة، مع أنه لم يطرأ أي تبدل على
جغرافيتها ومناخها. وإن التَّبدُّلات تحدث أيضاً في جغرافية ومناخ الكرة
الأرضية كلها وفي كل جزء منها، لكنها تبدلات تافهة جداً إذا ما قورنت
بالتَّبدُّلات الطارئة على المجتمع، فالتَّبدُّلات الأولى تظهر في مدى
عشرات ألوف السنين أو ملايين السنين، بينما تظهر التَّبدُّلات الثانية في
مدى آلاف السنين أو مئاتها أو عشراتها فقط، بل حتى في مدى بضع سنين أو
بضعة أشهر (كما هي الحال في زمن الثورات). ومن وجهة النَّظر
الدِّيالكتيكيّة المادِّيّة، فإن التَّبدُّلات تنشأ في الطَّبيعة بصورة
رئيسيّة عن تطوُّر التَّناقضات الكامنة فيها. وتغيرات المجتمع ترجع في
الأساس إلى تطوُّر التَّناقضات الباطنية فيه، وهي التَّناقض بين القوى
المنتجة وعلاقات الإنتاج، والتَّناقض بين الطبقات، والتَّناقض بين القديم
والجديد، وتطوُّر هذه التَّناقضات هو الذي يدفع المجتمع إلى الأمام، يدفع
المجتمع الجديد لكي يقضي على المجتمع القديم. فهل يستبعد الدِّيالكتيك
المادِّيّ الأسباب الخارجيّة؟ كلا. فالدِّيالكتيك المادِّيّ يعتبر أن
الأسباب الخارجيّة هي عامل التَّبدُّل، والأسباب الباطنية هي أساس
التَّبدُّل، وأن الأسباب الخارجيّة تفعل فعلها عن طريق الأسباب الباطنية.
فالبيضة تتبدل في درجة حرارة ملائمة فتصير كتكوتاً، ولكن الحرارة لا
تستطيع أن تحول حجراً إلى كتكوت، لأن كل منهما أساساً يختلف عما للآخر. إن
شعوب البلدان المختلفة يؤثر بعضها على بعض باستمرار. ففي عصر
الرَّأسماليّة، وعلى الأخص في عصر الإمبرياليّة والثَّورة البروليتارية
كان هذا التأثير والتفاعل المتبادل عظيماً جداً بين مختلف البلدان في
مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة. ولم تفتح ثورة أكتوبر/ ترين الأول
الاشتراكيَّة عصراً جديداً في تاريخ روسيا فحسب، بل في تاريخ العالم
أيضاً، وقد كان لها نفوذ على التغيرات الدَّاخليَّة في الأقطار الأُخرى في
العالم، كما كان لها نفوذ يتسم بالعمق بصفة خاصّة على التغيرات
الدَّاخليَّة في الصِّين، إلا أن هذه التَّبدُّلات قد حدثت عن طريق قوانين
التطوُّر الداخلي لتلك البلدان بما في ذلك الصِّين. إن جيشين يلتحمان في
معركة، فينتصر أحدهما وينهزم الآخر، والنصر والهزيمة على حدٍّ سواء
تقررهما أسباب باطنية. إن أحدهما ينتصر إما بسبب قوته وإما بسبب قيادته
الصَّحيحة، وينهزم الآخر إما بسبب ضعفه وإما بسبب أخطاء في قيادته،
فالأسباب الخارجيّة تفعل فعلها عن طريق الأسباب الباطنية. لقد انتصرت
البرجوازيّة الصِّينية الكبيرة على البروليتاريا عام 1927، وذلك عن طريق
الانتهازية التي كانت موجودة داخل البروليتاريا الصِّينية نفسها (داخل
الحزب الشيوعيّ الصِّيني). فلما صفينا هذه الانتهازية، عاودت الثَّورة
الصِّينية تقدمها. ثم تعرضت الثَّورة الصِّينية من جديد لضربات قاسية من
قبل العدو، وذلك من جراء روح المغامرة التي ظهرت داخل حزبنا. فلما صفينا
هذه الروح عاودت قضيتنا تقدمها مرة أُخرى. من هذا نرى أنه يجب على الحزب
السياسيّ، كي يقود الثَّورة إلى الظفر، أن يعتمد على صحة خطه السياسيّ
وعلى صلابة تنظيمه.
إن النَّظرة الدِّيالكتيكيّة إلى العالم قد نشأت
منذ القدم في الصِّين وفي أوروبا على حدٍّ سواء. لكن الدِّيالكتيك في
العصور القديمة كان يتصف بصفة العفوية والسذاجة، وفي ظل الظروف
الاجتماعيّة والتَّاريخيّة التي كانت تسود في تلك الأيام لم يكن من الممكن
أن يأخذ شكل نظريَّة كاملة، وهكذا عجز عن تفسير الكون تفسيراً كاملاً،
فحلت الميتافيزيقيّا فيما بعد محله. وقد ساهم الفيلسوف الألماني الشهير
هيجل الذي عاش في أواخر القرن الثامن عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر
بخدمة عظيمة الأهميَّة في الديالكتيك، لكن ديالكتيكه كان مثالي النزعة.
حتى جاء ماركس وانجلز، هذان الرائدان العظيمان للحركة البروليتارية فلخصا
المنجزات الإيجابيَّة في تاريخ البشريَّة، واستوعبا على الأخص بصورة ناقدة
العناصر المعقولة في ديالكتيك هيجل، واستنبطا النظريَّة العظيمة نظريَّة
المادِّيّة الدِّيالكتيكيّة، والمادِّيّة التَّاريخيّة، عندئذ فقط حدثت
ثورة عظمى لم يسبق لها مثيل في تاريخ المعرفة البشريَّة. ولقد طوَّر لينين
وستالين فيما بعد هذه النظريَّة العظيمة. وما أن دخلت هذه النظريَّة إلى
الصِّين حتى سببت في الحال تبدلات عظيمة جداً في عالم الفكر الصِّيني.
إن
هذه النَّظرة الدِّيالكتيكيّة إلى العالم تعلِّم الإنسان بصورة رئيسيّة
كيف يلاحظ ويحلل بصورة صحيحة حركة التَّناقض في مختلف الأشياء وكيف يستنبط
على أساس هذا التَّحليل حلولاً للتناقضات. ولذلك فإن فهم قانون التَّناقض
في الأشياء فهماً محدداً هو أمر بالغ الأهميَّة بالنسبة إلينا.






2- عموميَّة التَّناقض

تسهيلاً
للبحث سأتكلم هنا عن عموميَّة التَّناقض أولاً، وأنتقل بعد ذلك إلى
خاصّيَّة التَّناقض. ذلك لأنه بعد اكتشاف النَّظرة الدِّيالكتيكيّة
المادِّيّة إلى العالم بواسطة مؤسسي الماركسيَّة الكبيرين، ماركس وانجلز،
وبواسطة مكملي عملهما العظيمين، لينين وستالين، قد طبق الدِّيالكتيك
المادِّيّ بنجاح عظيم جداً في تحليل جوانب عديدة من التَّاريخ البشري
والتَّاريخ الطبيعي، وعلى ميادين عديدة متعلقة بتحويل المجتمع والطَّبيعة
(في الاتحاد السُّوفياتيّ على سبيل المثال)، وأصبحت عموميَّة التَّناقض
شيئاً معترفاً به لدى كثير من النَّاس، ولذا فإننا لن نحتاج إلا إلى كلمات
قليلة لأجل إيضاح هذه المسألة؛ أما مسألة خاصّيَّة التَّناقض فإن عدداً
كبيراً من الرفاق وأصحاب الجمود العقائدي منهم بصورة خاصّة، لم يفهموها
بعد حق الفهم. إنهم لا يفهمون أن عموميَّة التَّناقض تكمن بالضبط في
خاصّيَّة التَّناقض. كما لا يفهمون إلى أي درجة عظيمة تبلغ أهميَّة دراسة
خاصّيَّة التَّناقض الكامنة في الأشياء المحددة التي تجابهنا في توجيه
مجرى النشاط العملي الثَّوريّ أثناء تطوُّره. ولذا يجب أن نولي دراسة
خاصّيَّة التَّناقض اهتماماً خاصّاً، وأن نفسح لها مجالاً كافياً
لتوضيحها. لهذا السَّبب فإننا حين نحلل قانون التَّناقض في الأشياء، سنحلل
بادئ ذي بدء عموميَّة التَّناقض، ثم نحلل باهتمام خاصّ خاصّيَّة
التَّناقض، ونعود في النِّهاية إلى عموميَّة التَّناقض.
إن عموميَّة
التَّناقض أو صفته المطلقة ذات معنى مزدوج. فأولاً توجد التَّناقضات في
عمليَّة تطوُّر جميع الأشياء، وثانياً توجد حركة التَّناقض في عمليَّة
تطوُّر كل شيء منذ البداية حتى النِّهاية.
يقول انجلز: »إن الحركة
نفسها هي التَّناقض«(6). ويعرف لينين قانون وحدة الضدَّين بأنه »اعتراف
(اكتشاف) بالاتجاهات المتناقضة المتعارضة المستقلة عن بعضها في جميع ظواهر
الطَّبيعة (بما فيها الفكر والمجتمع) وعملياتها«(7). هل هذه الآراء صحيحة؟
أجل، إنها صحيحة. إن الاعتماد المتبادل بين طرفي كل تناقض في كل شيء معين
والصِّراع بينهما يقرران حياة ذلك الشَّيء ويدفعان تطوُّره إلى أمام. فليس
ثمة شيء ليس به تناقض، ولولا التَّناقض لما وُجد شيء.
إن التَّناقض هو أساس الأشكال البسيطة للحركة (مثلاً الحركة الميكانيكيَّة)، وهو بالأحرى أساس الأشكال المعقدة للحركة.
وقد
أوضح انجلز عموميَّة التَّناقض بالعبارات التالية: »إذا كان التغير
الميكانيكي البسيط لشيء ما من مكان لآخر ينطوي على تناقض، فإن ذلك ينطبق
بالأحرى على الأشكال الأعلى لحركة المادة، وبخاصّة على الحياة العضوية
وتطوُّرها. .. إن الحياة تعني بالتَّحديد وقبل كل شيء: إن الشَّيء الحي
هو، في كل لحظة، ذاته، ولكنه في نفس الوقت شيء آخر أيضاً. فالحياة إذن، هي
أيضاً تناقض قائم في الأشياء والعمليَّات ذاتها، وهو ينشأ ويحل نفسه
باستمرار؛ وحالما يتوقف هذا التَّناقض تتوقف الحياة أيضاً ويحلُّ الموت.
ولقد رأينا كذلك أننا لا نستطيع في مجال التَّفكير أيضاً، أن نتجنب
التَّناقضات. وأن التَّناقض مثلاً بين قدرة الإنسان الكامنة فيه
اللامتناهية على المعرفة، وبين وجودها الفعلي في البشر الذين هم محدودون
خارجيّاً ويملكون معرفة محدودة، هذا التَّناقض يجد حله في تعاقب لامتناهٍ
– بالنسبة إلينا على الأقلّ في الواقع- من الأجيال، في التقدم الذي لا
نهاية له«.
»إن أحد المبادئ الأساسيّة للرياضيات العليا هو التَّناقض..«.
»لكن حتى الرياضيات الدنيا تمتلئ بالتَّناقضات..«(Cool.
وكذلك أوضح لينين عموميَّة التَّناقض كما يلي: »في الرياضيات: + و-، التفاضل والتكامل.
في الميكانيكا: الفعل ورد الفعل.
في الفيزياء: الكهرباء الموجبة والسَّالبة.
في الكيمياء: اتحاد الذرات وتفككها.
في العلوم الاجتماعيّة: الصِّراع الطَّبقيّ«(9).
إن
الهجوم والدفاع في الحرب، التقدم والانسحاب، النصر والهزيمة، كلها مظاهر
متناقضة. ولا يمكن لأحد منها أن يبقى بدون نقيضه. وهذان الجانبان متصارعان
ومتحدان في وقت واحد، يؤلفان بذلك الوحدة الكلية للحرب، ويدفعان الحرب إلى
التطوُّر.
وينبغي النَّظر إلى كل اختلاف في مفاهيم الإنسان على أنه
انعكاس لتناقض موضوعيّ. إن التَّناقضات الموضوعيّة تنعكس في التَّفكير
الذاتي، فتشكل حركة التَّناقض في المفاهيم، وتدفع التَّفكير نحو التطوُّر،
وتحل دون انقطاع المشاكل التي تقوم في فكر الإنسان.
إن تضاد الأفكار
المختلفة والصِّراع بينها في صفوف الحزب ينشأ على الدَّوام، وهو انعكاس
داخل الحزب للتناقضات بين القديم والجديد في المجتمع. ولا شك أن حياة
الحزب ستتوقف إذا خلا من التَّناقضات ومن الصِّراع الأيديولوجيّ من أجل
حلّ هذه التَّناقضات.

karim rge

عدد الرسائل : 33
العمر : 34
البلد : maroc
تاريخ التسجيل : 09/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى