أزمة الهوية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أزمة الهوية

مُساهمة من طرف anarouz في الأحد 31 أغسطس - 11:00

أن تبحث في الماضي وتفتش في خبايه دون أن تكون لديك وثيقة معتمدة وموثوق فيها عقلياً فهذا نوع من الجدل الذي قديصل إلي حد الهراء والإستخفاف بالعقول .
وأن تبحث في التاريخ لتصل إلي نص تاريخي تريد منه إضفاء نوع من القداسة التاريخية علي واقعة معاصرة بموجب هذا النص فهذا نوع من الإفتراء علي الواقع وتزييف للتاريخ , فالتاريخ لايعرف في وقائعه وأحداثه للقداسة معني .
أن تبحث عن هوية تاريخية لتضفيها علي واقعك المعاصر فهذا نوع من أنواع المقامرة بالتاريخ وفي النهاية يخسر المقامر ويرهن واقعه للتاريخ ويفشل في إنجازات الحاضر والمستقبل .
أن تتباهي بالتاريخ وتتجاهل الحاضروتتناسي تجليات المستقبل , فهذا من مركبات النقص والقصور والعجز البشري الإنساني .
أن تجعل للتاريخ دين فهذه قمة المأساة والتردي في مستنقع الحضيض والعودة بالإنسان إلي مرحلة القبيلة .
ولكن من المتوجب علي من ألقي السمع وأذعن لفرائض المجتمع الناهض بمسؤليات أبناؤه تجاهه أن ينحي مناحي تصحيح التاريخ ويتعرف عليه برؤية عقلية نقدية بحتة من خلال إستقراء الوثائق الموثوق فيها بالقراءة العقلية والنقدية التي تبرز دور المجتمع وتتخالف مع السفاهات المفروضة علي المجتمعات من ملوك وسلاطنة وأمراء التاريخ الذين كتبوه حسب أمزجتهم وبما يمجد شخوص الفساد والإستبداد والظلم الواقع علي المجتمعات .
إن التاريخ الذي يتم تدريسه في المدارس والمعاهد العلمية والجامعات هو تاريخ مكتوب بأيدي الأنظمة الحاكمة التي بنيت أسس حكمها علي الإستبداد والظلم والفساد , والإستلاب والعبودية , ومن ثم فإن الصراع علي الأحداث التاريخية صراع تزكيه الأنظمة الحاكمة وتتباهي به وتنظر إلي المتصارعين حوله بعين الرضا والقبول لأنه يحقق أهداف تلك الأنظمة في إستمراء تلك الصراعات وعدم رفضها له , لأنه في إستمرارية تلك الصراعات التاريخية المتعلقة بالهوية السياسية القومية أو الوطنية أوالهوية الدينية بتعدداتها اللامتناهية والتي تمثل في حقيقة الأمر خير دليل أو خير وثيقة يمكن تقديمها للأنظمة الحاكمة في إستمرارية وجودها في منظومة الفساد والإستبداد حتي يمكن أن يتفق المتصارعون , ولن يتفقوا , ومن هنا كان ترحيب الأنظمة الفاشية بإزكاء نار تلك الصراعات علي الهويات السياسية والدينية .
إن الوثيقة التاريخية الموثوق في قراءتها هي من أفضل الشواهد علي تقييم مرحلة تاريخية من مراحل التاريخ الإنساني .
وكما قال أمين المهدي إن الصراع علي الأحداث التاريخية هو صراع ممقوت ويمثل تبديد للطاقات العقلية والبدنية في آن معاً , وأن الصراع يكون من أجل الديمقراطية والتنمية وإرساء الحريات , ويكون الصراع علي التفاعل الإجتماعي الحر والمطلق السراح , لأن الصراع حينما يكون علي التاريخ فإنه يكون من أعظم الخدام للفاشية الدينية والفاشية العسكرية .
وكما أن الصراع يكون متمحور علي كلمات ومصطلحات تاريخية وفلسفية تقع بين دائرة الجيد والسئ , وهذا لايفيد في الأمر كثيراً , وإنما الذي يفيد هو الفعل بإعتباره الدافع إلي آفاق الحريات والديمقراطية والتنمية بكافة أنواعها , فلا يوجد إلا فعل منتج أو فعل غير منتج , لأن الأفكار مولدات للأعمال , والأعمال مولدات للإنتاج والرفاهية ويكون أثرها هو المنتج الحقيقي في تقدم المجتمعات ودفع عجلة المجتمع إلي الأمام حيث المساحة الأكبر من الحريات وإرادات الأفعال تكون مساحاتها أرحب وأوسع .
وكما أن الأنظمة الفاشية الحاكمة هي التي تمتلك كافة المراكز البحثية والعلمية , ومن ثم تغيب أسس البحث العلمي التاريخي حال كون الحريات منعدمة والديمقراطيات مقتولة في ظل تلك الأنظمة , ومن ثم فلا يمكن أن تكون هناك حرية بحث حتي ولو كانت في العلوم والتنمية والإقتصاد والدين والفن والأدب , فما بالك بالتاريخ والهويات التاريخية , ومن هنا كان من اللازم أن تتواجد المنظومة الديمقراطية لكي يتهيأ للبحث العلمي مناخه الطبيعي في ظلال الحريات والديمقراطيات المتعددة أيضاً .
ومن الصراعات الصدأة , الصراع علي الهوية المبني علي اللغة , سواء كانت هذه اللغة تختص بالأغلبية العددية أو الأقلية العددية المنتمية إلي ديانات سماوية أوأرضية وثنية , بتعدداتها العرقية واللغوية , ومثالها الهوية العربية المبنية علي اللغة العربية , ومحاولة العروبيين أن يؤسسوا لهذه الهوية باحثين في الماضي التاريخي عن الأمجاد العربية والحضارة العربية المؤسسة علي فرضية وجود الآخر اللغوي أو الديني , أو الآخر الجغرافي البعيد أو القريب , وبناء هذه الهوية علي العنصرية شأنها شأن كافة الهويات عدا الهوية الإنسانية والحضارية الساعية دوماً من أجل رفاهة الإنسان , والإبتعاد عن البحث في رفات التاريخ والنظر دوماً إلي المستقبل الحضاري والحاضر الإنساني المعاش بكل تجلياته الحضارية والعلمية والفكرية والثقافية بما تحتويه من منظومات الأنسنة القانونية والتشريعية الدولية.
ففي مقالته عن الهوية العربية بين حقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية والدينية يذهب غسان المفلح إلي: محاولة المساعدة في تأسيس مضمون جديد للهوية العربية ركيزته الأساسية : المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والتجربة التاريخية للمجتمعات الحديثة : كنموذج للعمل التاريخي في تغيير مجتمعاتنا العربية .. لأنك لايمكن أن تجعل إنسان يتخلى عن لغته .. تحت أية مسميات مهما كانت .. والعرب هويتهم المفقودة هي في لغتهم .. أما إنجازاتهم الحضارية فيما سبق من تاريخ فهي باتت من مكونات المجتمع البشري ولم تعد مادة للتفاخر والعصبية القومية بل يجب أن تكون : دافعا للإعتراف بالتخلف من جهة وللمضي قدما في ركب هذه الحضارة التي أمامنا وليس التي في السماء ولا في الأذهان المتعالية ..
إنها الحضارة الموجودة في هذا التاريخ المعاصر والراهن ..والتي تفترض انطلاقا من موضوعنا : حقوقا واضحة للأقليات في أفق المواطنة المجردة من هذه المفاعيل الارتجاعية : أو التي لها مفعول رجعي في طريقة عشائرية لرد المظالم , والتي لايمكن كما قلنا أن تبني مجتمعات خيرة لا للأكثرية العربية ولا للأقليات العربية وغير العربية .
وإذا تجولنا بعيداً عن هذا المسرح الخاص بالهوية الإنسانية والإنسلاخ حيث يريد البعض من التاريخ أن يتكرر ويعيد نفسه من جديد في صورة متماثلة للواقع فهذا كذب علي الواقع وظلم لأحداث التاريخ لأن التاريخ لايعيد نفسه ولاينتج أحداثه من جديد علي الإطلاق , والباحثين عن فكرة إعادة أحداث التاريخ وصناعة أمجاده من جديد كمن يبحث عن نص ديني يخرجه من أزمات الواقع سواء كان مذهبه في ذلك مبني علي التوفيق أو التلفيق فكلاهما سواء بسواء إذ يبعدان عن حقيقة العالم المعاصر بكل تجلياته وصراعاته من أجل الحرية والعدالة والرفاهة .
ومن هنا كان من المتوجب علي من يرتأي إدارة صراع أن يبتعد عن حلبة التاريخ , ويبحث عن حلبة الواقع ليدير صراعه ضد هوية الفساد , وهوية الظلم , وهوية الإستبداد , فتلك الهويات هي المعطلة للهوية الإنسانية الحضارية المبنية علي الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان حيث تكون دولة المواطنة هي الأساس من بعد التأسيس لنظرية المجتمع المدني .
وأعتقد أن الصراع من أجل الديمقراطية والحريات هو الصراع الحضاري المنتج للأفعال الناهضة بالإنسان , ومن ثم فإن الهوية المبنية علي اللغة أو الدين أو الجغرافية أو التاريخ , هي في نهاية أمرها هويات مكرسة لأنظمة الظلم والفساد والإستبداد , وما أسهل الصراع علي أحداث الماضي الغير منتجة , ولكن الصراع من أجل الحاضر والمستقبل يكون صعب دائماً لأن منتجاته تكون ظاهرة للعيان .
فهل ستكون هناك أزمة هوية إذا تم تأسيس الصراع الحضاري من أجل الهوية الإنسانية الحضارية ؟
سؤال يحتاج للبحث والإجابة .

anarouz
عضو مبتدئ

عدد الرسائل : 217
العمر : 29
تاريخ التسجيل : 03/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى